25-05-2004

القمة العربية بتونس
التزام إستراتيجي بخيار السلام وانخراط إرادي في نهج الإصلاح والتحديث

مثلت القمة العربية التي احتضنتها تونس موفى الأسبوع المنقضي محطة تاريخية بارزة ومنعطفا هاما أسس لمرحلة نوعية جديدة في مسيرة العمل العربي المشترك بما كرسته من التزام بثوابت الحق العربي في سائر الأقطار والساحات وبما انطبعت به من إرادة قوية صريحة في انتهاج خيار الإصلاح والتطوير والتحديث سبيلا لرفع تحديات الحاضر ورهانات المستقبل.

وانه ليس من باب التجاوز في شيء القول بأن قمة تونس العربية شكلت منعطفا هاما حاسما على درب تفعيل مكونات منظومة العمل العربي المشترك سيما وأن القمة التأمت في ظرف تاريخي وسياسي دقيق وفي ظل أحداث وتحولات جسام رتبت على القادة العرب مسؤولية الخروج بقرارات واضحة ترقى إلى مستوى التحديات الماثلة.

وان استقراء ما صدر عن هذه القمة من قرارات ومواقف وما اكتساه سير الأشغال من جدية ومن سعي للنجاعة يدل على النجاح الذي توج قمة تونس رغم دقة الظروف وتشعب التطورات الإقليمية والدولية التي حفت بها.

فمن باب الإنصاف التأكيد على أن هذا النجاح لم يكن البتة وليد الصدفة و إنما كان النتاج الطبيعي لمساع صادقة وجهود مثابرة بذلها الرئيس زين العابدين بن علي من أجل أن تمثل هذه القمة منعرجا فعليا على طريق الإصلاح والتحديث العربي استجابة لمشاغل الشعوب العربية وتطلعاتها إلى المزيد من الحرية والتنمية والتقدم.

وقد جسد الحضور الهام والتمثيل الرفيع لأغلب البلدان العربية في هذه القمة حجم المصداقية والتقدير الذي تحظى به تونس ورئيسها لدي كافة الأشقاء الذين يقدرون لبلادنا صدق التزامها بقضايا أمتها وثباتها في الدفاع عن الحقوق العربية وفقا لمنطق يستمد مرجعياته من خصوصيات تونس الحضارية وتعلقها بالمبادئ والقيم الكونية وتمسكها بمقتضيات الشرعية الدولية. كما انه جسد مدى وعي البلدان العربية كافة بان المخاطر القائمة لا تستثني أحدا وتجعل بالتالي من التضامن والتكامل قارب النجاة والسبيل لتجسيد حقيقة المصير الواحد والمستقبل المشترك.

كما عكس هذا الحضور تقديرا عربيا واسعا لجهود الرئيس زين العابدين بن علي السخية والمثابرة دفاعا عن قضايا الحق العربي وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني ومن أجل تنقية الأجواء العربية والقضاء علي عوامل الانقسام والفرقة ولدوره البارز في تأمين عوامل النجاح لهذه القمة التي جسدت مرة أخرى خطابا وممارسة عمق انتماء بلادنا لامتها العربية ووعيها العميق بأن سبيل العرب لمواكبة إيقاع العصر وبناء المستقبل الأفضل لا يكون بغير التعاون والتضامن والتكامل وتوحيد الجهود والطاقات والانخراط في مكاسب العصر والحداثة بما تقتضيه من تغييرات وإصلاحات هي اليوم استحقاقات لا تقبل التأجيل أو التأخير.

لقد كان النجاح الذي توج قمة تونس العربية بالأساس ثمرة إعداد محكم وسعي دؤوب إلى الحوار والتشاور بذلته تونس بلد الحوار والوفاق مع كافة الأشقاء وذلك وفقا لخطة مدروسة متكاملة الأبعاد جسمت التمشي المنهجي والعقلاني الذي يسلكه رئيس الدولة في كافة المجالات باعتباره السبيل لإدراك نتائج تكون في مستوى المأمول والمنشود.

وقد أمكن للمتتبعين العرب والأجانب ملامسة ما ساد قمة تونس من أجواء حوار ومصارحة ومن تفكير معمق في سائر الملفات المدرجة في جدول الأعمال بما أبرز جدية الأسلوب التونسي و نجاعته في التعاطي مع مختلف القضايا والحرص على أن تكون القرارات والمواقف نتاج تمحيص وتدقيق وحوار جدي وصريح يكفل الوفاق بين كافة الأطراف العربية بشأن ما يصدر من قرارات بما يضمن حسن تطبيقها في مرحلة لاحقة.

ومن هذا المنطلق فأن قرار تأجيل القمة الذي اتخذته تونس بكامل الجرأة والمسؤولية كان في مكانه وشكل موقفا صائبا ناجعا ذلك أن تونس بقرارها ذاك إنما وضعت في المقام الأول مضمون القمة وما سينبثق عنها من قرارات وما تقتضيه الملفات المصيرية المطروحة عليها من وفاق وتفاهم.

وتكون بالتالي القمة في مستوى المسؤوليات الجسيمة الموكولة إليها في رسم خيارات الحاضر والمستقبل العربي.

وفضلا عن ذلك فان قرار التأجيل مثل رجة أيقظت الكثير من الضمائر العربية وحفزت الجميع على التزام اليقظة والتنبه لما يتهدد الأمة العربية من مخاطر. وقد كرست التحضيرات التي سبقت القمة حرص تونس التغيير وقيادتها من منطلق مقارباتها الواقعية العقلانية وثوابتها القومية على أن تكون القمة المدخل لصياغة إجماع عربي حقيقي حول مواقف مصيرية وخيارات حيوية تتصل بمقتضيات التعاطي الناجع والفاعل مع المشهد السياسي العربي الراهن وتتصل أيضا بحتميات الإصلاح والتحديث والتطوير.

وتجسيدا لمركزية القضية الفلسطينية لدى كافة الشعوب العربية وتمشيا مع موقف تونس المبدئي الثابت في مناصرتها لقضية الشعب الفلسطيني العادلة التي يعتبرها الرئيس زين العابدين بن علي قضيته الشخصية كانت تطورات
الأوضاع في فلسطين في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي وما يخلفه يوميا من تقتيل وتشريد وتدمير أحد المحاور الرئيسية لقمة تونس.

فقد جددت القمة الالتزام العربي بكافة الحقوق الفلسطينية التي كفلتها القرارات الأممية والشرعية الدولية والالتزام كذلك بمواصلة تقديم السند المادي والسياسي الضروري للشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية إزاء الخطط الإسرائيلية التي تعمل على فرض واقع جديد على الأرض يؤبد الاحتلال وينهب المزيد من الأراضي والحقوق الفلسطينية في استهتار واضح بالشرعية الأممية وخطط السلام الدولية وفي استباق متعمد لنتائج أية مفاوضات سلام مقبلة.

وفي هذا الباب واستنادا إلى مبادئ الشرعية الدولية فقد خاطبت القمة العربية العالم وسائر الأطراف المؤثرة فيه بمنطق القانون والشرعية بأن أكدت بوضوح أن السلام هو خيار العرب الإستراتيجي لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

كما استقطبت قضية العراق اهتمام القمة حيث أكد القادة العرب علي ضرورة استعادة الشعب العراقي لسيادته وحرمته الترابية في اقرب الأوقات وشددوا على ضرورة إعطاء الأمم المتحدة دورا مركزيا في صياغة المستقبل السياسي لهذا البلد بما يصون وحدته واستقلاله.

وفضلا عن هذه الملفات السياسية الملحة التي احتلت حيزا هاما من مداولات القمة والاجتماعات التحضيرية التي سبقتها فقد كان للتكامل الاقتصادي العربي حضوره الهام ضمن النقاشات والوثائق إذ عكست وثائق القمة تقييما مدققا ومعمقا للوضع الاقتصادي العربي الراهن وما يعانيه من اختلالات قطريا وقوميا وتضمنت تصورات وبرامج مستقبلية لإرساء آليات عمل عربي مشترك فعلي وفاعل يكفل بناء تكامل حقيقي بين الاقتصاديات العربية وينهض بحجم التجارة البينية ويعزز نسق الاستثمارات والمشاريع المشتركة بما يوفر للامة عناصر القوة والمناعة التي تتيح لها مجابهة تحديات عصر العولمة واستحقاقاتها.

وفي هذا الباب حرصت القمة على تأكيد ضرورة استحثاث نسق بناء منطقة التبادل الحر العربية الكبرى التي مضى على توقيعها عديد السنوات دون ان يكون لها أثر كبير وملموس علي صعيد تنمية المبادلات التجارية البينية.

وفي تجسيد لخيارات تونس ومميزات نهجها التنموي الذي يعد التضامن والعدل في توزيع ثمار النمو من ابرز خصائصه تضمنت مقررات القمة بندا هاما يتعلق بمكافحة الفقر في الأقطار العربية وتوفير أسباب النهوض والارتقاء الاقتصادي
والاجتماعي لكافة الفئات دون تهميش أو إقصاء.

و تتجلى من خلال ذلك بصمات تونس وخطابها التحديثي الإصلاحي الذي جسدته علي أرض الواقع في إصلاحات جريئة عميقة طالت سائر مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية. كما كانت لتحركات الرئيس بن علي وقدرته على الإقناع الدور الكبير في التوصل إلى وفاق حول الملفات والقضايا المطروحة بما برهن مرة أخرى على دور تونس الفاعل في توحيد الرؤى.

وليس من نافلة القول الإشارة إلى أن الميزة الفارقة التي طبعت هذه لقمة تتمثل في كونها قد انعقدت تحت شعار كبير وعنوان بارز هو "الإصلاح والتطوير والتحديث"الذي كان محور وثيقة أساسية منبثقة عن المؤتمر دشنت اقتحام مصطلحات ومفاهيم جديدة القاموس السياسي العربي في منعرج نوعي جسد الإرادة العربية الجماعية في ارتياد آفاق ومدارات جديدة ترتقي إلى مستوي تطلعات الشعوب العربية وتغذي الأمل في تحقيق نقلة عميقة صلب المجتمعات العربية.

فالارتقاء بالحياة السياسية في البلدان العربية وترسيخ الخيار الديمقراطي ومبادئ حقوق الإنسان وتفعيل دور المجتمع المدعي وتعزيز مكانة المرأة في المجتمع ودعم حضورها في الحياة العامة هي جميعها أسباب لازمة وضرورات لا مهرب منها لتأمين انخراط الأمة العربية في منطق العصر والمبادئ الكونية في عالم تتنامى فيه التكتلات والتجمعات وتشق فيه المجتمعات شرقا وغربا رياح التغيير والإصلاح.

وان مصطلحات مثل التضامن والتسامح والاعتدال والوسطية وحرية التعبير والمجتمع المدني ومكانة المرأة والحكم الرشيد والحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية العقيدة التي كرستها وثائق قمة تونس تعكس توجها عصريا تحديثيا ذلك ان مجتمعا تغيب فيه الحريات هو مجتمع غير قادر عن الدفاع عن نفسه لذا فان قمة تونس ستبقي في الأذهان كمحطة بارزة في تاريخ الأمة العربية لما اتخذته من قرارات هامة حيال القضايا العربية الأساسية. ومما يدعم هذا التمشي التزام الرئيس زين العابدين بن علي رئيس القمة بوضع قرارات قمة تونس موضع التطبيق العملي معتمدا في ذلك على التزام القادة العرب بالتضامن وبروح التعاون المشترك والموقف الموحد .